حيدر حب الله

444

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

المدى والتي يدرك الإنسان أنّها من الصعب أن تحصل في المنظور القريب ، لكنّه يضطر لوضعها نصب عينيه كي يحدّد مساره الذي يتجه فيه حتى لو كان يعلم بأنّ تحقيق هذه الأهداف غير متيسّر في مرأى النظر . وقيمة هذا النوع من الأهداف : 1 - أنّها توجّه مسار الإنسان ، فعندما نقول مثلًا : نحن نهدف إلى بناء مجتمع صالح يتعاون فيه الناس ويحبّون بعضهم ، أو نهدف على المستوى الفردي أن نتمثّل شخصيّة الأنبياء والأولياء ، فهذا لا يعني أنّنا نفترض إمكانيّة تحقّق هذا الأمر بالضرورة ، فنحن نعرف أنّه لن نتمكّن من هذا ، وأنّه لم يتمكّن أحدٌ على مرّ التاريخ من تحقيق مجتمع إنساني عام مثالي بهذه الطريقة ، لكن مع ذلك نحن نجد أنّ حضور هذا المفهوم في وعينا ضروريٌ جدّاً ، والسبب هو أنّ هذه المقولات ( المثالية ) تعبّر عن جهة مسيرنا وليس عن إمكانات المسير بالضرورة ، فعندما تقف على مفترق طرق فإنّك تختار أحد الطريقين ، وبذلك تكون قد حدّدت جهة مسيرتك ، وهذا غير أنّك تملك إمكانات السير إلى نهاية هذا الطريق . 2 - كما أنّ قيمة المثل العليا والأهداف بعيدة المدى تكمن أيضاً في تخفيف حدّة النماذج البديلة ، فعندما أتحدّث دوماً عن مجتمع مثالي وأصبو لهدف لا ترتفع النجوم عليه ، وأستحضر القيم المثالية الأخلاقية دوماً ، فذلك لأنّني حتى لو لم أتمكّن من تحقيقها كاملةً في حياتي أو في مجتمعي ، لكنّ استحضارها يعيق هيمنة البدائل المفترضة لها ، أي إنّه يخفّف من القيم غير الأخلاقية التي يمكن أن تسود . ولهذا نحن نجد كلّ التيارات الفكريّة تدعو لقيم أخلاقيّة بما فيها أشدّ التيارات براغماتيةً ، فهؤلاء ليسوا كما نتصوّر من أنّهم نفعيّون لا يؤمنون بأيّ قيمة أخلاقيّة ( مهما كان المبرّر الفلسفي لهذه القيمة الأخلاقية أو تلك عندهم ) ، فإنّ العدالة